ابن عربي
337
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 15 ] إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) أعظم البلايا والمحن وقوع الفتن ، وأي فتنة أعظم عند الرجال من فتنة الولد والمال ، الولد مجهلة مجبنة مبخلة ؛ والمال مالك ، وصاحبه بكل وجه وإن فاز هالك ، إن أمسكه أهلكه ، وإن جاد به تركه - راجع سورة الأنفال آية 28 - . [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 16 ] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » [ « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . . . » الآية : ] وإن كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فأعاد الضمير عليهم ، ولكن مثل هذا لا يسمى تصريحا ولا تعيينا ، فينزل عن درجة التعيين ، مثل قوله ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) من كوننا مؤمنين ، فيحدث لذلك حكم آخر ، فقال « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » ابتداء آية بفاء عطف وضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد ، والمضمر صالح لكل معين ، لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق ، والمعين مقيد ، فالضمير الخطابي يعم كل مخاطب كائنا من كان ، من مؤمن وغير مؤمن وإنسان وغير إنسان ؛ واعلم أن الاستطاعة لو بذلها الإنسان وقع في الحرج ، لأنه يكون قد بذلها عن جهد ومشقة ، وقد رفع اللّه الحرج عن عباده في دينه ، فعلمنا أن المراد بالاستطاعة في مثل قوله تعالى « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » و ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) و ( ما آتاها ) أن حدها أول درجات الحرج ، فإذا أحس به أو استشرف عليه قبل الإحساس به فذلك حد الاستطاعة المأمور بها شرعا ، ليجمع بين قوله تعالى « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وبين قوله ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( ودين اللّه يسر ) و ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) في قوله « مَا اسْتَطَعْتُمْ » ولما فهمت الصحابة من الاستطاعة ما ذكرناه لذلك كانت رخصة لعزمة قوله تعالى : ( حَقَّ تُقاتِهِ ) وتخيل الصحابة أن اللّه خفف عن عباده في قوله ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) بقوله « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد ، فإن تقوى اللّه بالاستطاعة أعظم في التكليف ، فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته ، لا بد من فضلة يبقيها ، وعلمنا أن اللّه أثبت العبد